ما الذي حدث فجر الخميس؟
استيقظ المسافرون الإيرانيون يوم الخميس 24 سبتمبر 2026 على واقع جديد في المطارات: رحلات شركات الطيران الإيرانية المتجهة إلى دول الخليج، وفي مقدمتها دبي، أُلغيت تباعاً بعد انقضاء المهلة التي حددتها وزارة الخزانة الأمريكية يوم 23 سبتمبر للشركات العالمية لوقف كل تعاملاتها مع شركات الطيران الإيرانية.
وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات تعليق جميع رحلات شركات الطيران الإيرانية من وإلى الدولة «حتى إشعار آخر»، وقالت في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية إن القرار جاء «بناءً على الحظر الأمريكي المفروض على شركات الطيران الإيرانية في استخدام المطارات بمختلف دول العالم».
وذكرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية «إيسنا» أن جميع الرحلات المتجهة إلى الإمارات، أكبر مركز للسفر في الخليج، توقفت اعتباراً من منتصف الليل، ولم تظهر أي رحلات وصول أو مغادرة من وإلى إيران على موقعي مطاري دبي وأبوظبي صباح الخميس، كما أظهرت المواقع الإلكترونية لشركتي طيران إيرانيتين على الأقل، «قشم» و«وارش»، أن رحلاتهما إلى الإمارات أُلغيت.
آلية «العقوبات الثانوية»: تجميد أسطول بأكمله
تقوم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي يصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها «يوم النصر الاقتصادي» — في تشبيه للهجوم على فرنسا في الحرب العالمية الثانية — على ما يُعرف بالعقوبات الثانوية: استهداف الشركات من دول ثالثة تتعامل مع الشركات الإيرانية.
وحذّر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من أن تزويد الطائرات الإيرانية بالوقود أو تقديم الخدمات الأرضية لها أو بيع تذاكرها قد يعرّض مقدمي تلك الخدمات للاستبعاد من النظام المالي القائم على الدولار. وتقول واشنطن إن الهدف المعلن هو إيقاف تشغيل كامل الأسطول المدني الإيراني في العالم.
وكانت وزارة الخزانة قد فرضت في وقت سابق من الشهر عقوبات على 35 شركة وشخصاً مرتبطين بقطاع الطيران الإيراني، من بينها 27 شركة طيران، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن القوائم الأمريكية.
اللافت أن هذه العقوبات لا تغلق المجال الجوي للدول الأخرى تلقائياً أمام الطائرات الإيرانية، لكن استمرار الرحلات يتوقف على خدمات أساسية كالوقود والخدمات الأرضية وبيع التذاكر والخدمات المصرفية، وهو ما يجعل أي شركة أجنبية تتعاون معها عرضة للعقوبات الثانوية الأمريكية.
طهران تهدد: مطارات الجيران «غير صالحة للاستخدام»
ردت إيران يوم الأربعاء بتهديد مباشر: أي دولة مجاورة تمتثل للحظر الأمريكي على رحلاتها ستجد مطاراتها «غير صالحة للاستخدام»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية عن مسؤولين.
ولم يكن التأثير مقتصراً على الخليج: قال المتحدث باسم منظمة الطيران المدني الإيرانية مجيد أخوان إن تركمانستان لم تصدر تصريح عبور لشركات الطيران الإيرانية عبر أجوائها، ما أدى إلى عودة رحلة طهران–دوشنبه إلى مطار الإمام الخميني في طهران.
وأظهر موقع مطار الإمام الخميني أن الرحلات المغادرة والوافدة يوم الخميس ما زالت قائمة من وإلى دول منها أفغانستان وأرمينيا والصين والعراق وباكستان وطاجيكستان وتركيا، لكن ليس إلى دول الخليج المجاورة. وقال مسؤول في وكالة سفر في طهران إن «الوضع غير مستقر، ولم نعد نبيع تذاكر حالياً خوفاً من إلغائها».
من يطير ومن يتوقف: خارطة الرحلات المتبقية
الصورة ليست موحدة عالمياً. فبينما علّقت الإمارات الرحلات، أفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأن الرحلات أُغلقت أيضاً إلى عُمان وجورجيا وأذربيجان وبغداد، مع العمل على تحويل بعض الرحلات إلى مطار النجف.
في المقابل، ما زالت رحلات إيرانية تصل إلى وجهات في الصين وتايلاند وأفغانستان، إذ نقلت «بلومبرغ» عن بيانات «فلايت رادار 24» أن رحلات انطلقت من إيران إلى بانكوك وبوكيت وشنغهاي وكابول. وقالت رئيسة شركة مطارات تايلاند إن شركتها «لا تملك صلاحية إيقاف الرحلات التي تُنفَّذ وفق القواعد الدولية»، مضيفة أن تعليق الرحلات الإيرانية ممكن فقط إذا صدر أمر رسمي بذلك.
ووصفت الصين العقوبات الأمريكية بأنها «غير قانونية»، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غوو جياكون إن بكين تعارض باستمرار «العقوبات الأحادية» التي لا تتوافق مع القانون الدولي ولم تقرها الأمم المتحدة.
الجبهة اليمنية: ستة صواريخ باليستية والسعودية تتوعد
تزامناً مع دخول العقوبات الجوية حيز التنفيذ، أعلنت السلطات السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون، بعد إصدار تنبيهات طوارئ في مناطق شملت مكة المكرمة وجدة وينبع، الميناء النفطي الرئيسي على البحر الأحمر.
وقال التحالف الذي تقوده السعودية في بيان: «أي تصعيد وانتهاكات من ميليشيا الحوثي الإرهابية ستُقابل بحزم»، فيما أكدت مصادر في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن قواتها صدّت هجمات حوثية ليلية على طريق إمداد رئيسي إلى عدن.
ويخوض الحوثيون، الذين أعلنوا حصاراً بحرياً على السعودية في يوليو وسيطروا هذا الشهر على كامل ساحل اليمن على البحر الأحمر، هجمات متكررة على السعودية، وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 700 شخص قُتلوا وآلافاً أُصيبوا في أحدث موجات القتال، بينما نزح نحو 130 ألف يمني داخل البلاد وفرّ أكثر من 3 آلاف عبر البحر الأحمر إلى أفريقيا.
الخلاصة
بعد أشهر من الجمود على ساحة المعركة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، غيّرت واشنطن تكتيكاتها: بدل الضربات العسكرية، حرب اقتصادية تستهدف شرايين إيران الجوية عبر العقوبات الثانوية، بهدف تجميد أسطولها المدني بالكامل. الرد الإيراني جاء سريعاً عبر تهديد مطارات الجيران، فيما وجدت دول كالصين وتايلاند نفسها بين مطرقة واشنطن وسندان الالتزام بالقواعد الدولية. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا «يوم النصر الاقتصادي» سيُنهي الحرب أم سيفتح جبهة تصعيد جديدة في سماء الخليج.
المصادر
- رويترز: «Iranian flights cancelled as new US 'D-Day' sanctions take effect» (24 سبتمبر 2026)
- رويترز (النسخة العربية): «إلغاء رحلات جوية إيرانية مع تطبيق عقوبات أمريكية جديدة» (24 سبتمبر 2026)
- وكالة أنباء الطلبة الإيرانية «إيسنا» ووكالة «تسنيم» (نقلاً عن تغطية رويترز)
- بلومبرغ و«فلايت رادار 24» (بيانات الرحلات)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق