في واحد من أكثر قرارات العقوبات الأوروبية إثارة للجدل منذ بداية الحرب على أوكرانيا، وافق سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 على تمديد العقوبات الفردية المفروضة على روسيا لثلاث سنوات كاملة، لكن مقابل ثمنٍ مثير للانقسام: شطب اسمي المليارديرين أليشير عثمانوف وميخائيل فريدمان من القائمة السوداء، وإعفائهما من تجميد الأصول وحظر السفر. القرار، الذي وصفته الرئاسة الأيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي بأنه «تسوية صعبة»، أثار غضباً فورياً في كييف، حيث وصفه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه «غير مقبول»، فيما حذّر دبلوماسيون أوروبيون من أن أي إضعاف لنظام العقوبات «يبعث إشارة سيئة جداً إلى موسكو».
ما الذي جرى بالضبط؟
بعد أسابيع من المفاوضات المتوترة، توصل سفراء الدول الـ27 في لجنة الممثلين الدائمين إلى اتفاق يقضي بتجديد العقوبات الفردية المرتبطة بسلامة الأراضي الأوكرانية لمدة 36 شهراً — حتى 22 سبتمبر 2029 — بدلاً من النظام السابق الذي كان يتطلب تجديدها كل ستة أشهر. وتشمل القائمة نحو 3000 فرد وكيان من المقربين من الكرملين والشركات الداعمة للحرب، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، وستبقى قيود تجميد الأصول وحظر السفر مفروضة عليهم طوال هذه المدة.
لكن مقابل هذا التمديد الطويل، سُحب اسمان بارزان من القائمة: أليشير عثمانوف (73 عاماً)، مؤسس شركة «USM القابضة» المولود في أوزبكستان والذي تقدر مجلة فوربس ثروته بنحو 14 مليار دولار، وميخائيل فريدمان (62 عاماً)، المؤسس المشارك لمجموعة «ألفا» الذي يحمل الجنسية الروسية والإسرائيلية. وبحسب تقارير صحفية، أُزيل أيضاً أندريه فالالييف، الرئيس السابق للجامعة الفيدرالية في القرم، وشركة «Redbird Corporate Services» المرتبطة بما يُعرف بـ«أسطول الظل» الروسي المستخدم للالتفاف على العقوبات النفطية.
لماذا تنازلت أوروبا عن عثمانوف وفريدمان؟
كشفت التسريبات الدبلوماسية عن مقايضات وطنية وقفت خلف القرار. فقد دفعت فرنسا لإزالة اسم عثمانوف، مستندة إلى ما وصفته باعتبارات «الأمن القومي»؛ ونقلت صحيفة «فاينانشيال تايمز» وشبكة «يورونيوز» عن دبلوماسيين أن الطلب الفرنسي كان مرتبطاً بجهود الإفراج عن مواطنين فرنسيين محتجزيْن في أذربيجان، وهو ما لم تؤكده باريس علناً. في المقابل، طالبت لوكسمبورغ بإزالة فريدمان، بعدما رفع الأخير دعوى تحكيم ضدها بنحو 16 مليار دولار بسبب أصوله المجمدة بموجب العقوبات الأوروبية. كما ساندت سلوفاكيا إزالة اسم عثمانوف، وفق «فاينانشيال تايمز».
هذه المقايضة تكشف كيف تمنح قاعدة الإجماع في الاتحاد الأوروبي كل دولة عضو نفوذاً لانتزاع استثناءات لمصالحها الخاصة، وهو ما حذّر منه منتقدون باعتباره سابقة قد تشجع دولاً أخرى على المطالبة بشطب أسماء مقابل تصويتها في المستقبل.
غضب كييف و«تسوية صعبة» في بروكسل
ردّت أوكرانيا بحدة على القرار. وكتب زيلينسكي على منصة «إكس» أن العالم لا يحتاج إلى «شطب سياسي من القوائم، بل إلى تجديد العقوبات الفردية في وقتها وبشكل غير مشروط، إلى أن تنخرط موسكو في مفاوضات سلام جادة». وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن الشطب «غير مقبول وسيبعث الإشارة الخاطئة إلى موسكو في وقت يجب فيه زيادة الضغط لا تخفيفه».
داخل أوروبا نفسها، سادت حالة من المرارة والإحباط. فقد كانت لاتفيا آخر المتمسكين بالرفض، لكنها امتنعت في النهاية عن التصويت لمنع انتهاء صلاحية بقية القائمة، وفرضت في الوقت نفسه عقوبات وطنية على عثمانوف وفريدمان للحفاظ على تجميد أصولهما داخل أراضيها. وقال رئيس الوزراء اللاتفي أندريس كولبرغس: «ما دامت روسيا تواصل الحرب، يجب أن يصبح الضغط الأوروبي أقوى، لا أكثر راحة للكرملين». ونقلت صحيفة «لوموند» عن دبلوماسي من دولة شمال أوروبية، رفض الكشف عن اسمه، قوله: «أي إضعاف لنظام العقوبات الأوروبية يبعث إشارة سيئة جداً إلى موسكو».
التجديد لثلاث سنوات: استقرار أم إضعاف؟
الوجه الآخر للصفقة هو التغيير البنيوي في آلية العقوبات: بدلاً من مراجعة القوائم كل ستة أشهر، وهو ما كان يمنح كل دولة عضو فرصة دورية للمطالبة باستثناءات جديدة، أصبح التجديد كل ثلاث سنوات. وقالت متحدثة باسم الرئاسة الأيرلندية إن هذا التمديد «يعزز متانة نظام العقوبات الأوروبي وقابليته للتنبؤ»، لأنه يقلل من خطر أن يؤدي نزاع حول اسم واحد إلى تعريض آلاف العقوبات للخطر كل ستة أشهر.
لكن منتقدين يرون أن الثمن المدفوع كان باهظاً. فقد اعتُبر عثمانوف، الذي وصفته وثائق العقوبات الأوروبية سابقاً بأنه من «المقربين المفضلين لدى بوتين»، وفريدمان، من رموز النخبة المالية المحيطة بالكرملين، وكلاهما عمل لسنوات على رفع القيود عنه. ونقلت تقارير عن دبلوماسي أوروبي قوله: «أصبحت الأمور فوضوية. لا أحد سعيد بهذه التسوية القبيحة، لكن كان لا بد من إنقاذ ما يمكن إنقاذه». وأشار مسؤولون في الاتحاد إلى أن التكتل يعتزم اقتراح نحو 1600 إدراج جديد في القوائم، لكن القرار أظهر حدود قاعدة الإجماع أمام الضغوط الوطنية.
خلاصة
أمّن الاتحاد الأوروبي بقاء نحو 3000 عقوبة فردية على روسيا حتى سبتمبر 2029، لكنه فعل ذلك مقابل إطلاق سراح اثنين من أشهر مليارديرات النخبة الروسية من قيود أوروبا — صفقة وُلدت من مقايضات وطنية أكثر منها من استراتيجية جماعية. وبينما ترى بروكسل في التمديد الطويل مكسباً مؤسسياً، ترى كييف وعدد من العواصم الأوروبية أن «التسوية الصعبة» أضعفت مصداقية النظام كله. ويبقى السؤال: هل ستمنع المراجعة كل ثلاث سنوات تكرار هذا النوع من الصفقات، أم أن السابقة فتحت الباب لمزيد منها؟
المصادر
- وكالة رويترز: EU renews Russia sanctions, drops Russian billionaires Usmanov and Fridman (22 سبتمبر 2026)
- صحيفة لوموند: Usmanov and Fridman, two oligarchs close to Putin, are exempted from EU sanctions (22 سبتمبر 2026)
- صحيفة الغارديان (عبر الرئاسة الأيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي): توصيف القرار بأنه «تسوية صعبة»
- صحيفة فاينانشيال تايمز وشبكة يورونيوز: خلفيات الطلبين الفرنسي واللوكسمبورغي
- مجلة فوربس: ثروة عثمانوف بنحو 14 مليار دولار (23 سبتمبر 2026)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق