تدفع الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا حكومات أوروبا إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات تشمل الدعم المالي والضرائب وتعديل السياسات، في محاولة لحماية اقتصاداتها وشركاتها وتهدئة استياء المواطنين المتصاعد من الارتفاع القياسي في أسعار البنزين والديزل.
سبع من الدول العشر الأكثر نشاطاً داخل الاتحاد الأوروبي
وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن حكومات أوروبا حول العالم تدخّلت للحد من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تراجع إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب مع إيران، وأوضحت في تقرير نشرته الأربعاء 24 سبتمبر/أيلول أن سبعاً من الدول العشر الأكثر نشاطاً في احتواء الأضرار الاقتصادية تقع داخل الاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «أسوشيتد برس».
ففي ليتوانيا، خُفّضت أسعار تذاكر القطارات إلى النصف، وأرجأت إيطاليا الموعد المقرر لإغلاق محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم وخفّفت متطلبات الإجراءات الورقية لمشروعات النفط والغاز، فيما زادت هولندا التمويل المخصص لبرنامج يقدم خدمات مجانية لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في المنازل، واقترحت بولندا فرض ضرائب مرتفعة على الأرباح القياسية التي يحققها بعض منتجي الوقود وبائعيه.
12 دولاراً للغالون و203 ملايين يورو إضافية يومياً على الديزل
ويستورد الاتحاد الأوروبي نحو كامل احتياجاته من النفط و85 في المائة من الغاز الطبيعي، بينما تغطي الواردات إجمالاً 57 في المائة من احتياجاته من الطاقة، وفقاً لمكتب الإحصاء الأوروبي، ويزداد استياء الأوروبيين مع تجاوز أسعار الوقود في محطات التعبئة ما يعادل 12 دولاراً للغالون في بعض الدول.
وبحسب منظمة «النقل والبيئة» الأوروبية، ينفق مواطنو الاتحاد الأوروبي 203 ملايين يورو (231.13 مليون دولار) إضافية يومياً على وقود الديزل وحده، وقال المحلل لدى المنظمة أنتوني فروغات: «إنها مفارقة مؤلمة أن تكون الولايات المتحدة الأقل تعرضاً لأزمة ساهمت في صنعها، بينما يتلقى الاقتصاد الأوروبي الضربة مجدداً».
وتنفق حكومات أوروبية عدة مليارات الدولارات لمساعدة اقتصاداتها على تجاوز أزمة الطاقة الحالية، فيما منح قادة الاتحاد في بروكسل الدول الأعضاء مرونة مؤقتة لتقديم مساعدات حكومية للأسر والقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة مثل الزراعة والنقل وصيد الأسماك، مع هامش محدود لتجاوز قواعد الإنفاق الأوروبية لتمويل استثمارات تعزز أمن الطاقة على المدى الطويل.
فرنسا: 450 مليون يورو للسائقين والأسر
واعتمدت فرنسا مجموعة متزايدة من الإجراءات الموجهة للتخفيف من تأثير ارتفاع أسعار الوقود، وأعلنت الحكومة الثلاثاء حزمة بقيمة 450 مليون يورو (512.35 مليون دولار) لتوسيع إجراءات الدعم، شملت توسيع نطاق المساعدات القائمة على مستوى الدخل للأشخاص الذين يقطعون أكثر من 30 كيلومتراً ذهاباً وإياباً إلى العمل أو أكثر من 8 آلاف كيلومتر سنوياً لأغراض مهنية.
وسيجعل التوسع 5.5 مليون عامل مؤهلين للحصول على مدفوعات بقيمة 100 يورو للمساعدة في تغطية تكاليف الوقود حتى نهاية العام، كما مددت الحزمة دعم الوقود للمزارعين والصيادين وشركات البناء حتى نهاية العام، وقررت إتاحة قسائم الطاقة (بين 48 و277 يورو) قبل موعدها بثلاثة أشهر لمساعدة 5.8 مليون أسرة على سداد فواتير الطاقة خلال الشتاء.
وطلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الدفع باتجاه تخفيف قواعد الاتحاد المتعلقة بجودة الوقود لزيادة إنتاج الديزل والكيروسين في أوروبا — وهي خطوة مماثلة لما اتُّخذ خلال جائحة «كوفيد-19» — وحذّر في رسالة اطلعت عليها «أسوشيتد برس» من أن سوق النفط العالمية قد تشهد «زيادات قوية في الأسعار» قريباً إذا لم يُستأنف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، داعياً إلى رفع الحد الأقصى المسموح به لمحتوى الديزل الحيوي في وقود الديزل من 7 إلى 10 في المائة.
ألمانيا وإسبانيا تخفضان ضرائب الوقود
وفي ألمانيا، انتهت نهاية يونيو/حزيران جولة خفض لضرائب الوقود استمرت شهرين، ووافقت الحكومة الأسبوع الماضي على تمديد الخفض بما سيؤدي إلى تقليص أسعار البنزين والديزل بنحو 17 سنتاً للتر اعتباراً من الأول من أكتوبر/تشرين الأول وحتى نهاية العام، بتكلفة تبلغ 2.5 مليار يورو (2.85 مليار دولار)، مع محادثات مرتقبة مع شركات النفط لبحث فرض سقف لأسعار الوقود اعتباراً من يناير.
ومددت إسبانيا بدورها خفض الضرائب على البنزين والديزل المطبق منذ مارس/آذار، ضمن حزمة بقيمة 5 مليارات يورو لمواجهة تداعيات الحرب مع إيران على أسعار الطاقة المحلية، وبلغ الإعفاء الضريبي 5 سنتات للتر خلال الشهر الحالي، فيما تتيح آلية تلقائية رفعه إلى 20 سنتاً للتر إذا تجاوز التضخم في أسعار الوقود 15 في المائة على أساس سنوي، مع تمديد دعم الوقود لشركات النقل والمزارعين ومربي الماشية والصيادين.
أوروبا تعتمد على الطاقة الأمريكية.. وتحذّر من حظر الديزل
إلى جانب برامج الدعم الوطنية، لجأت دول الاتحاد الأوروبي إلى احتياطياتها الاستراتيجية في إطار اتفاق بين الدول الأعضاء الـ32 في وكالة الطاقة الدولية لإتاحة 400 مليون برميل من النفط من مخزوناتها الطارئة في الأسواق، وقالت فون دير لاين في خطابها السنوي عن حالة الاتحاد إن زيادة الاعتماد على الكهرباء يمكن أن تخفض فاتورة الاتحاد السنوية لواردات النفط والغاز بنحو 260 مليار يورو بحلول عام 2040.
ومع سعي الاتحاد لتقليص اعتماده على الطاقة الروسية، ازداد اعتماده على الولايات المتحدة — إذ أبرمت فون دير لاين العام الماضي اتفاقاً مع الرئيس دونالد ترامب تضمن التزام الاتحاد بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات — وقد جعلت الحرب مع إيران هذه العلاقة أكثر أهمية وتعقيداً، إذ لجأ الاتحاد بشكل متزايد إلى واشنطن لتأمين إمدادات الديزل.
وأثار دعم ترامب هذا الأسبوع لفكرة حظر صادرات الديزل بهدف خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة مخاوف أوروبية، إذ سيضطر الاتحاد في هذه الحالة إلى البحث عن مصادر بديلة للوقود، وتضغط بروكسل على واشنطن للتراجع عن الفكرة، وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أولوف غيل الخميس: «نعتقد أن هذه فكرة سيئة. التعاون بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجال الطاقة قوي ومستقر ويحقق منفعة متبادلة، وأي اضطراب في هذا التعاون قد يؤثر سلباً على الجانبين».
خلاصة
تكشف هذه الإجراءات عن تباين أوروبي واضح: دول تعتمد على الدعم المباشر للأسر والسائقين (كفرنسا)، وأخرى على خفض الضرائب (كألمانيا وإسبانيا)، وثالثة على فرض ضرائب على الأرباح القياسية (كبولندا) — فيما يبقى مضيق هرمز العنصر الحاسم الذي يحدد ما إذا كانت هذه الحزمة ستكفي أم ستحتاج أوروبا إلى مزيد من الإجراءات المؤلمة خلال الشتاء.
المصادر
- أسوشيتد برس (Sam McNeil) — أوروبا تستخدم الدعم والضرائب لتعويض آلام أسعار الوقود المرتفعة (25-27 سبتمبر 2026)
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية — تقرير التدخلات الحكومية لاحتواء الأضرار الاقتصادية الناجمة عن أزمة الطاقة (الأربعاء 24 سبتمبر 2026)
- منظمة «النقل والبيئة» الأوروبية — إنفاق إضافي بـ203 ملايين يورو يومياً على الديزل في الاتحاد الأوروبي (سبتمبر 2026)
- المفوضية الأوروبية — خطاب حالة الاتحاد لأورسولا فون دير لاين وتصريحات المتحدث أولوف غيل (سبتمبر 2026)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق