
أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم أمس الثلاثاء (29 سبتمبر/أيلول 2026) أنها ستعرض إقراض شركات الطاقة 40 مليون برميل من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، في مسعى للسيطرة على أسعار الوقود التي ارتفعت بسبب الحرب الواسعة مع إيران وحرب روسيا على أوكرانيا — وذلك وفق ما نقلته وكالة رويترز عن وزارة الطاقة الأميركية.
وواصلت أسعار النفط الارتفاع اليوم الأربعاء لليوم الثاني على التوالي، مع بقاء خام برنت فوق 106 دولارات للبرميل — في إشارة إلى أن السوق ما زال غير مقتنع بأن العرض الأميركي الجديد سيكفي لتهدئة الأسعار، وسط استمرار الضبابية بشأن المحادثات الأميركية الإيرانية.
ويأتي العرض الجديد بينما يلامس الاحتياطي الاستراتيجي أدنى مستوياته منذ عام 1982، وسط تحذيرات محللين من أن الاستمرار في السحب يحمل عوائد متناقصة وقد يتحول إلى «حركة مهزومة ذاتياً» إذا تصور السوق أن واشنطن «تنفد من الخيارات».
العرض الجديد: 40 مليون برميل قرضاً لا بيعاً
بحسب رويترز، ستُعرض البراميل على شركات الطاقة في صورة قروض تعيدها الشركات لاحقاً مع براميل إضافية كعلاوة — وهو النظام الذي تقول وزارة الطاقة الأميركية إنه يهدف إلى استقرار الأسواق «دون أي تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين».
ويُعد هذا العرض الشريحة الأخيرة من التزام أميركي أوسع: فقد وافقت الولايات المتحدة في مارس الماضي على إقراض 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، ضمن اتفاق أوسع مع نحو 30 دولة عضو في وكالة الطاقة الدولية يقضي بسحب 400 مليون برميل جماعياً لتهدئة الأسعار.
الدافع: وقود ملتهب قبل الانتخابات النصفية
تشهد أميركا موجة ارتفاع حادة في أسعار الوقود: سجلت أسعار الديزل مستويات قياسية متجاوزة 6 دولارات للغالون، فيما بقي البنزين فوق 4 دولارات للغالون، وفق موقع «أويل برايس». وبحسب بيانات «AAA» التي نقلتها «بارونز»، ارتفع سعر البنزين بالتجزئة بنحو 50% إلى 4.46 دولار للغالون منذ بدء الحرب.
ويمثل ارتفاع أسعار الديزل مصدر ضغط سياسي مباشر على الجمهوريين — حزب الرئيس ترامب — مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، خاصة أن الديزل يستخدم على نطاق واسع في قطاعات النقل البري والزراعة والبناء، وفق «إرم بزنس». وكان ترامب قد اقترح حظر تصدير الديزل الأميركي في خطوة لاقت اعتراضات واسعة.
أما على مستوى الأسواق العالمية، فقد تداولت العقود الآجلة لخام برنت عند 96.34 دولاراً للبرميل وخام غرب تكساس الوسيط عند 89.72 دولاراً — وهي مستويات لم تنخفض كثيراً عن ذروات أمس رغم إعلان السحب، في إشارة إلى ضعف الأثر الفوري للقرار على الأسعار.
مفارقة يونيو: عرض مماثل والشركات اقترضت 500 ألف فقط
تكشف رويترز مفارقة لافتة: فقد عرضت إدارة ترامب في يونيو الماضي إقراض 40 مليون برميل أيضاً بموجب اتفاقية وكالة الطاقة الدولية، لكنها أعلنت لاحقاً أن الشركات وافقت على اقتراض نحو 500 ألف برميل فقط — أي ما يزيد قليلاً عن 1% من المعروض.
غير أن صحيفة «وول ستريت جورنال» تشير إلى أن الظروف تغيرت: فالسوق تشهد «باكورديشن» حاداً — أي أن الأسعار الآنية أعلى من الأسعار الآجلة — ما يمنح الشركات حافزاً قوياً للاقتراض الآن، إذ يمكنها بيع البراميل أو تكريرها اليوم بسعر مرتفع وإعادتها لاحقاً بسعر أرخص مع فائدة عينية، وفق تحليل «كلير فيو إنرجي بارتنرز».
الاحتياطي عند أدنى مستوى منذ 1982
بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغت مخزونات الاحتياطي الاستراتيجي 284.6 مليون برميل للأسبوع المنتهي في 18 سبتمبر، ثم تراجعت إلى 283.8 مليون برميل الأسبوع التالي — وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 1982، أي منذ أكثر من أربعة عقود.
وتضع قيود قانونية سقفاً للسحب: فالقانون الفيدرالي يقيّد السحوبات غير الطارئة متى انخفض المخزون دون 252.4 مليون برميل، فيما يحذر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومية منذ 1981 من النزول دون 250 مليون برميل إلا في «حالة طوارئ شديدة جداً». وتقدّر «كلير فيو» أن المخزون سيقف عند نحو 242 مليون برميل إذا نُفّذ العرض الجديد كاملاً — أي على بعد خطوات من الحد القانوني.
ويحذر بن كاهيل، محلل الطاقة في «أتلانتيك كاونسل»، من العوائد المتناقصة للسحوبات المتكررة: «عند نقطة معينة يصبح الإفراج عن مزيد من النفط حركة مهزومة ذاتياً، لأن تصور أننا ننفد من الخيارات يطغى على أثر الإفراج نفسه». أما سول كافونيك من «MST Marquee» فيصف الوضع بأنه «العيش على بطاقة ائتمان نفطية»: فتدفقات هرمز ما زالت عند نحو ثلث مستويات ما قبل الحرب، وما أبقى برنت دون 110 دولارات هو السحب من المخزونات لا الإمدادات الجديدة.
واشنطن تضغط على أوروبا للوفاء بالتزاماتها
على هامش الإعلان، ضغط وزير الطاقة الأميركي كريس رايت على الدول الأوروبية للوفاء بالتزاماتها الخاصة من المخزونات الطارئة، قائلاً إن عدة أعضاء في وكالة الطاقة الدولية أفرجوا عن جزء ضئيل فقط مما تعهدوا به — في وقت أفرجت فيه الوكالة منذ مارس عن 400 مليون برميل تمثل نحو 20% من إجمالي الاحتياطيات، وفق مديرها التنفيذي فاتح بيرول.
من جانبه، قال فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، أمس الثلاثاء إن الدول الأعضاء في الوكالة قد تناقش إمكانية طرح كميات إضافية من احتياطيات النفط الاستراتيجية في السوق مستقبلاً، محذراً من أن أوروبا مقبلة على شتاء صعب بسبب نقص الطاقة.
يُذكر أن نحو 133 مليون برميل من السحب الأميركي الحالي مُهيكل على شكل مقايضات مع شركات «شل» و«فيتول» و«ترافيغورا»، تلتزم بموجبها بإعادة 1.25 برميل مقابل كل برميل اقترضته، على أن تبدأ عمليات التسليم مطلع العام المقبل.
تحليل مهاجر: ما الذي يُراقب؟
القرار يكشف معضلة واشنطن المزدوجة: حاجة سياسية ملحة لتهدئة أسعار الوقود قبل انتخابات نوفمبر، مقابل احتياطي استراتيجي يتآكل نحو حدوده القانونية والتشغيلية. فالسحب من الاحتياطي يعالج الأعراض لا المرض: فما دامت تدفقات هرمز عند ثلث مستوياتها والحرب بلا أفق تسوية، يبقى أي تهدئة للأسعار مؤقتة ومشروطة باستمرار السحب — وهو ما لا يمكن أن يدوم.
يُراقب خلال الأسابيع المقبلة: مستوى الاحتياطي مقابل الحد القانوني 252.4 مليون برميل (الاقتراب منه سيشعل جدلاً سياسياً وقانونياً)، واستجابة الشركات للعرض الجديد (هل تتكرر مفارقة يونيو أم يغيّر «الباكورديشن» المعادلة؟)، وأسعار الديزل والبنزين بالتجزئة كمؤشر انتخابي، ومدى وفاء الأوروبيين بالتزاماتهم في وكالة الطاقة الدولية، وأي انفراجة في ملف هرمز تنعكس فوراً على الحاجة للسحب. (تحليل عام للاتجاهات الاقتصادية، وليس توصية استثمارية).
اقرأ أيضاً
- ترامب: أسعار النفط ستنهار بمجرد انتهاء حرب إيران قريباً
- ما هو مضيق هرمز ولماذا يهز أسواق النفط؟
- النفط العراقي يعود للسوق الأمريكية: 51 ألف برميل يومياً فقط
المصادر
- رويترز بالعربية — أميركا: سنسحب 40 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط (29 سبتمبر 2026)
- إرم بزنس — أميركا: سنسحب 40 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط (29 سبتمبر 2026)
- بارونز — U.S. Oil Reserve Drawdown Barely Nudges Prices (29 سبتمبر 2026)
- وول ستريت جورنال — U.S. Wants to Release More Oil From Strategic Reserve (29 سبتمبر 2026)
- أويل برايس — U.S. Taps Strategic Oil Reserve Again as Diesel Tops $6 (29 سبتمبر 2026)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق