RSS تابعنا عبر

الديزل يحطم الأرقام القياسية عالمياً.. لماذا يرتفع أسرع من النفط؟

صورة صحفية لمضخة وقود تملأ سيارة في محطة بنزين وقت الغروب مع إضاءة درامية، تعبيراً عن أزمة أسعار الديزل العالمية

تشهد أسعار الديزل موجة قياسية غير مسبوقة في أوروبا والولايات المتحدة وبريطانيا، إذ تجاوزت مستوياتها التاريخية المسجلة في ذروة أزمة الطاقة عام 2022 — وذلك رغم أن أسعار النفط الخام نفسها لم تكسر أرقاماً قياسية. ويرجع السبب إلى أزمة تكرير عالمية عميقة فجّرتها حربا إيران وأوكرانيا، وجعلت مصافي التكرير عنق الزجاجة الجديد في أسواق الطاقة العالمية.

أرقام قياسية في ثلاث قارات

في بريطانيا، يقترب سعر الديزل من جنيهين إسترلينيين للتر الواحد، إذ بلغ متوسط السعر نحو 198.5 بنساً للتر وفق بيانات «فليت بوينت»، بينما أظهرت بيانات نادي «RAC» البريطاني متوسطاً عند 197.31 بنساً في 23 سبتمبر — بفارق ضئيل جداً عن الرقم القياسي السابق البالغ 199.09 بنس المسجل في يونيو 2022. وقد تجاوزت بعض محطات الوقود فعلياً حاجز 2.15 جنيه للتر، وحذر «RAC» من أن تجاوز الجنيهين أصبح مسألة وقت إذا استمرت الضغوط.

وفي فرنسا، سجل الديزل مستوى قياسياً عند 2.41 يورو للتر، وفق تحليل لوكالة «فرانس برس». أما متوسط سعر الديزل في دول الاتحاد الأوروبي ككل فقد بلغ رقماً قياسياً عند 2.23 يورو للتر، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية التي حللتها «فرانس برس».

وفي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر الديزل الوطني 6.50 دولار للغالون، مسجلاً مستويات قياسية في عدد من الولايات، بينما أغلقت العقود الآجلة للديزل الأوروبي الأسبوع الماضي عند أعلى مستوى على الإطلاق — أي أكثر من ضعف مستواها في بداية عام 2026.

لماذا يرتفع الديزل أسرع من النفط؟

السبب الجوهري، وفق خبراء ووكالة الطاقة الدولية، ليس نقص النفط الخام بل نقص طاقة التكرير. فالعالم لا يعاني أزمة نفط بقدر ما يعاني أزمة تحويله إلى منتجات مكررة — خصوصاً الديزل.

وحذر الخبير الاقتصادي بول كروغمان، وفق ما نقلته «فرانس برس»، من أن أزمة الطاقة الحالية باتت أزمة منتجات مكررة أكثر منها أزمة نفط خام. وقال جانيف شاه، نائب رئيس شركة «ريستاد إنرجي» للاستشارات: «ارتفعت أسعار الديزل في جميع المناطق لأن الاضطراب عالمي، لكن أوروبا معرضة بشكل خاص».

وقالت وكالة الطاقة الدولية إن المصافي حول العالم تعمل عند أقصى طاقتها أو قريباً منها — فقد شغلت المصافي الأمريكية أعلى مستوى لها منذ ثماني سنوات في أواخر أغسطس — ما «يترك خيارات محدودة للغاية لمنع مزيد من تشدد الإمدادات وارتفاع الأسعار في الأشهر المقبلة».

ضربة المصافي: هرمز وروسيا

تضررت مصافي التكرير على جبهتين رئيسيتين. ففي روسيا، أدت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة إلى خفض إنتاج المصافي الروسية بنحو 30% في يونيو مقارنة بالعام السابق — وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من 20 عاماً وفق صحيفة «التايمز» البريطانية — ودفعت موسكو إلى حظر صادرات الديزل منذ يوليو.

وفي الشرق الأوسط، انخفضت صادرات الديزل من المنطقة إلى النصف تقريباً بين مارس وأغسطس مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتستقر عند نحو 800 ألف برميل يومياً، وفق بيانات الشحن من شركة «كبلر» التي نقلتها رويترز. وكانت المنطقة تزوّد أوروبا بنحو 41% من وارداتها من الديزل في عام 2025 — وهو ما يفسر هشاشة أوروبا بشكل خاص.

وحذر محلل «كبلر» جورج شو، وفق رويترز، من أن «أي اضطراب إضافي في تدفقات البحر الأحمر يهدد بتشديد سوق ديزل عالمية متعبة أصلاً»، مؤكداً أن طاقة التكرير تبقى عنق الزجاجة الرئيسي.

كلفة يومية باهظة على الأوروبيين

بحسب تحليل لمجموعة «النقل والبيئة» (T&E) نقلته صحيفة «فايننشال تايمز»، يدفع السائقون الأوروبيون نحو 40% أكثر مقابل الديزل مقارنة ببداية العام — أي ما يعادل نحو 203 ملايين يورو إضافية يومياً على مستوى القارة، ويضيف نحو 30 يورو إلى كلفة ملء خزان سعة 50 لتراً. كما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 28% خلال الفترة نفسها.

وكشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الأسبوع الماضي أن واردات الوقود الأحفوري كلفت الاتحاد الأوروبي 90 مليار يورو إضافية منذ بدء الحرب — دون الحصول على أي طاقة إضافية مقابل ذلك.

وفي بريطانيا تحديداً، يثير الوضع قلقاً حكومياً، إذ لا تحتفظ المملكة بأكثر من مخزون يكفي ستة أسابيع فقط من الديزل وفق «التايمز»، بينما حذر مؤسس حملة «فير فيول» هوارد كوكس من أن بريطانيا «معرضة بشكل خطير» لأنها تستورد الغالبية العظمى من استهلاكها، ونحو 70% منها من ثلاث دول فقط: الولايات المتحدة وهولندا وبلجيكا.

ضغوط سياسية تتصاعد

تتحول أزمة الديزل بسرعة إلى قضية سياسية متفجرة. ففي بريطانيا، يتعرض المستشار جون هيلي لضغوط لإلغاء زيادة مقررة في ضريبة الوقود في الموازنة المقبلة، بينما تخشى الحكومة الفرنسية تكرار احتجاجات «السترات الصفراء» التي فجرتها أسعار الوقود عام 2018 وشلت البلاد لشهور.

وفي الولايات المتحدة، دعا الرئيس دونالد ترامب أوكرانيا إلى التوقف عن ضرب المصافي داخل روسيا، وسط تصاعد الضغوط من الناخبين قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إذ ارتفعت أسعار البنزين إلى 4.49 دولار للغالون مقارنة بـ2.87 دولار في أواخر يناير وفق بيانات «AAA».

في المقابل، اعتبر محللو «جي بي مورغان» أنهم، وللمرة الأولى منذ بدء الصراع، «لا يملكون تصوراً أساسياً» لسوق النفط، وأن افتراض أن الاضطراب مؤقت «يزداد صعوبة مع الوقت».

الخلاصة

أزمة الديزل الحالية تكشف تحولاً هيكلياً خطيراً: المشكلة لم تعد في توافر النفط الخام بل في القدرة على تكريره. فحتى لو عادت حركة الشحن في مضيق هرمز إلى طبيعتها غداً، لن تُحل الأزمة فوراً — لأن المصافي المدمرة والمعطلة لا تُعاد إلى الخدمة بضغطة زر. ومع استنزاف المخزونات العالمية، يبقى المستهلك العادي — من سائق الشاحنة في بريطانيا إلى الفلاح في فرنسا — هو من يدفع الثمن الأكبر، بينما تتسابق الحكومات لاحتواء تداعيات قد تتحول إلى أزمة معيشة جديدة.

المصادر

  • وكالة رويترز — أسعار الديزل العالمية عند مستويات قياسية
  • وكالة فرانس برس — تحليل أسعار الوقود في أوروبا وفرنسا
  • صحيفة التايمز البريطانية — أسعار الديزل القياسية في بريطانيا
  • وكالة الطاقة الدولية — نشرة أسواق النفط
  • صحيفة فايننشال تايمز (عبر تحليل T&E) — كلفة الديزل على السائقين الأوروبيين
  • بيانات نادي RAC البريطاني ومنصة FleetPoint

اقرأ أيضاً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
  • ()
  • ()
عرض المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الأكثر مشاهده

𝕏 ف و ت