من قلب استاد الخرطوم الممتلئ عن آخره، وجّه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، مساء السبت، رسائل تحدٍّ صريحة إلى واشنطن بعد رفضها منحه تأشيرة الدخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً في خطاب جماهيري حماسي أنه لن يستجيب «لأي ضغوط أو ابتزاز»، وأن قواته ستواصل القتال «حتى تطهير كل السودان حتى دارفور». وجاء الخطاب في وقت تتكثف فيه الضغوط الدولية لإقرار هدنة إنسانية تفتح الممرات أمام المساعدات لملايين السودانيين المتضررين من الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
«لا نريد تأشيرة ولا إذناً من أحد»
جاءت تصريحات البرهان خلال مخاطبته حشداً من الشباب في استاد الخرطوم، بمناسبة انطلاق مبادرة «ما نسيناكم» لدعم القطاع الصحي، بحضور صناع محتوى وعدد من الرياضيين، وفق بيان صادر عن مجلس السيادة.
وقال البرهان أمام الحشود، حسب ما نقلته وسائل إعلام: «لا نريد تأشيرة لدولة ولا نريد إذناً من أحد»، في إشارة مباشرة إلى رفض واشنطن منحه تأشيرة دخول الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وأضاف: «سيظل رأسنا مرفوعًا، ولن نقبل المساومة أو نسترخص أنفسنا لأحد أو ننحني له»، مؤكداً أن السودانيين «لا يمكن ابتزازهم أو تخويفهم»، وتابع: «طالما شباب السودان بهذه الطاقات والمبادرات، فإن البلاد في أيدٍ أمينة ولن تركع لكائن من كان».
خلفية الأزمة: هدنة إنسانية مقابل التأشيرة
تعود جذور الأزمة الدبلوماسية الحالية إلى خطاب رسمي وجهته الولايات المتحدة إلى البرهان، كشفت عنه صحيفة «السوداني» نقلاً عن مصادر مطلعة، طالبت فيه واشنطن رئيس مجلس السيادة بالتوقيع على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر «دون أي شروط مسبقة»، وربطت موافقتها على منحه تأشيرة الدخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة بهذا التوقيع. وكان من المقرر أن يلقي البرهان كلمة السودان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة يوم الخميس 24 سبتمبر.
واستند البرهان في رفضه، بحسب المصادر ذاتها، إلى سببين رئيسيين: الأول أن حق السودان المشروع في المشاركة في فعاليات الجمعية العامة لا يجوز ربطه بأي شروط أو مقايضات، والثاني أن السودان سبق أن قدّم خطته إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لإقرار وقف دائم لإطلاق النار، تتضمن سحب مقاتلي الدعم السريع والأسلحة من المناطق المدنية، وتنفيذ عمليات التسريح والدمج بمساعدة الأمم المتحدة لتشكيل جيش وطني واحد يخضع للإشراف المدني، بما يمهّد الطريق نحو تسوية عبر حوار سوداني–سوداني ينقل السلطة إلى حكم مدني ديمقراطي.
كما حذّر البرهان من أن أي هدنة جديدة قد تمنح فرصة لداعمي قوات الدعم السريع لإعادة ترتيب صفوفها، معتبراً أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة انهارت لأنها «صيغت على عجل»، وأن فرض العملية السلمية من الخارج «لن يؤدي إلى استقرار حقيقي».
حضور الإسلاميين وجواز السفر في القاهرة
ورصدت «سكاي نيوز عربية» في تحليل لها أن خطاب البرهان تزامن مع تظاهرات قال مراقبون إن الحركة الإسلامية السودانية نظمتها ودفعت أنصارها إلى المشاركة فيها، ورُفعت خلالها شعارات وهتافات معادية للولايات المتحدة، وهي مشاهد أعادت إلى الذاكرة أجواء المواجهة مع واشنطن في التسعينيات.
وقال الناشط القانوني محمد خليل لـ«سكاي نيوز عربية» إن «المسيرات التي نظمتها الحركة الإسلامية، إضافة إلى أحاديث البرهان وإصراره على استمرار الحرب، تعيد السودان إلى أجواء أوائل التسعينيات»، وهو رأي تعكسه تصريحاته الخاصة.
وفي موازاة الخطاب الجماهيري الغاضب، كشف سفير السودان لدى الولايات المتحدة، المعيّن من قبل سلطة بورتسودان، محمد عبد الله إدريس، أن جواز سفر البرهان لا يزال حتى الآن لدى السفارة الأميركية في القاهرة، حيث قُدّم ضمن إجراءات الحصول على التأشيرة، قائلاً إن عدم إصدارها حال دون سفر البرهان إلى نيويورك. واعتبر مراقب سياسي، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن بقاء الجواز لدى السفارة يكشف «تناقضاً لافتاً بين الخطاب الجماهيري والواقع الدبلوماسي».
واشنطن والأمم المتحدة: لا شرعية لطرفي الحرب
على الجانب الآخر، أعلنت الخارجية الأميركية بوضوح في بيان صدر في 22 سبتمبر أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقيادتيهما «لا تمثلان أي سلطة شرعية أو دستورية في السودان»، وأن سلوك قائدي الطرفين يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد، مطالبة الطرفين بقبول الهدنة الإنسانية والانخراط في عملية سياسية شاملة تعيد السلطة إلى المدنيين.
كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، يوم الجمعة، إلى وقف الحرب في السودان وإنهاء معاناة شعبه، معرباً عن أسفه لعدم إصدار تأشيرة دخول للبرهان للمشاركة في أعمال الجمعية العامة.
خلاصة: ثمن استمرار الحرب
وبينما يتحدث البرهان عن «تطهير السودان حتى دارفور» ويتوعد بمواصلة القتال، يبقى واقع الحرب قاسياً: قتال مستمر منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، خلّف عشرات آلاف القتلى ونحو 13 مليون نازح وفق تقديرات أممية ودولية، في وقت يعيش فيه السودان أكبر أزمتين للنزوح والجوع في العالم، وتتهدد المجاعة مناطق واسعة من البلاد. وبين رفض الهدنة وإصرار واشنطن على مسار مدني، تتضاءل فرص الإغاثة العاجلة لملايين المدنيين الذين يدفعون وحدهم ثمن استمرار القتال.
المصادر
- سكاي نيوز عربية: «رفض الهدنة يعيد علاقة البرهان بالإخوان للواجهة».
- مصر تايمز: «البرهان: السودان لن يستجيب للضغوط أو الابتزاز بعد رفض تأشيرة واشنطن».
- نبض السودان نقلاً عن صحيفة «السوداني»: «رفض المقايضة.. مصادر تكشف رد البرهان على خطاب أميركا».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق