لم يعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أزمة تخص النفط والناقلات فحسب، فالموجة امتدت إلى سوق الأسمدة والمواد البتروكيماوية، ومنها بدأت تضغط على واحدة من أكثر الأسواق حساسية للمواطن العادي: الغذاء، وفق ما نقلته نافذة الجزيرة الاقتصادية.
والمعادلة الاقتصادية أصبحت أكثر وضوحاً: ممر ملاحي مضطرب يرفع مخاطر الشحن والطاقة، وارتفاع تكلفة الطاقة يضغط على صناعة الأسمدة، ثم تنتقل الزيادة إلى تكلفة الزراعة والإنتاج الغذائي.
هرمز.. ممر للطاقة والأسمدة والمواد الصناعية
غالباً ما يُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، غير أن أهميته تتجاوز النفط والغاز إلى مجموعة واسعة من السلع التي تدخل في الصناعات والزراعة.
ووفق دراسة مركز التجارة الدولية التي تناولها نديم الملاح في نافذة الجزيرة الاقتصادية، يمر عبر المضيق نحو 33.3% من تجارة اليوريا العالمية، إلى جانب كميات كبيرة من الميثانول والأمونيا والألمنيوم ومواد بتروكيماوية وصناعية أخرى.
ورصد التقرير حركة 12 سلعة استراتيجية تصدرها 7 اقتصادات تعتمد بدرجات مختلفة على هذا الممر البحري، وخلص إلى أن كميات صادرات هذه السلع تراجعت في المتوسط بنحو 54% خلال عام.
اليوريا تدخل دائرة الخطر: الأسعار تقفز والأمونيا تشتعل
كشفت التطورات الأخيرة عن قفزة قوية في أسعار الأسمدة خلال ذروة الاضطرابات، إذ تضاعفت أسعار اليوريا العالمية تقريباً حتى أبريل 2026 مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفعت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم «دي إيه بي» بنحو 35%.
وفي الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الأمونيا بنحو 59% منذ 27 فبراير، فيما سجلت اليوريا زيادة بنحو 39% خلال الفترة نفسها، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي السوق المصرية، سجلت اليوريا الحبيبية المصرية نحو 527.50 دولاراً للطن في 17 سبتمبر 2026، مقارنة بنحو 510 دولارات في القراءة السابقة خلال سبتمبر، بزيادة تقارب 3.4%، بينما بلغ متوسط أغسطس نحو 460 دولاراً مقابل 514.17 دولاراً في متوسط سبتمبر — ما يكشف استمرار الضغوط السعرية رغم ابتعاد السوق عن قمم الصدمة الأولى.
لماذا يؤثر هرمز في سعر السماد؟ الغاز هو السر
السبب يبدأ من الغاز الطبيعي، فهو يدخل بصورة أساسية في إنتاج الأمونيا، والأمونيا هي المادة المحورية في تصنيع الأسمدة النيتروجينية وعلى رأسها اليوريا.
وبالتالي فإن أي اضطراب يرفع تكلفة الغاز أو يعطل إمداداته، ثم يضيف إليه ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ينعكس سريعاً على تكلفة إنتاج السماد ونقله.
وتزداد حساسية السوق لأن جزءاً مهماً من تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر منطقة الخليج؛ وتشير التقديرات إلى أن نحو 21 مليون طن من اليوريا سنوياً وقرابة 4 ملايين طن من فوسفات ثنائي الأمونيوم أصبحت صادراتها معرضة لمخاطر اضطراب حركة الملاحة.
الخليج مركز عالمي للأسمدة.. وتعطل 3-4 ملايين طن شهرياً
تُعد منطقة الخليج مركزاً رئيسياً لإنتاج وتصدير الأسمدة عالمياً، إذ تعتبر دول مثل إيران وقطر والمملكة العربية السعودية وعُمان من أبرز مصدري الأسمدة النيتروجينية بما فيها اليوريا والأمونيا، ويمر نحو 30% من تجارة الأسمدة الدولية عبر مضيق هرمز.
ووفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الذي استعرضه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، أدى الصراع إلى صدمة كبيرة في الأنظمة العالمية للطاقة والأسمدة والأغذية الزراعية، وتراجعت حركة ناقلات النفط عبر المضيق بأكثر من 90%.
وأوضح التقرير أن القيود على الإنتاج والشحن أدت إلى تعطيل ما يُقدَّر بـ3-4 ملايين طن من تجارة الأسمدة شهرياً، بعد تعطل حركة الملاحة البحرية وتضرر بعض المنشآت الإنتاجية أو توقفها مؤقتاً لأسباب أمنية.
من السماد إلى الغذاء.. السلسلة التي تهم المواطن
المصنع لا يحتاج إلى قيمة مالية مجردة، وإنما إلى أطنان محددة من المواد الخام، كما أن المزارع يحتاج إلى السماد في الوقت المناسب لبدء موسم الزراعة. ولذلك فإن نقص الكميات قد يتحول إلى مشكلة اقتصادية حتى لو بدت مؤشرات القيمة التجارية أقل سوءاً.
وفيما يتعلق بأسعار الغذاء، أشار تقرير الفاو إلى ارتفاع أسعار السلع الزراعية الرئيسة نتيجة الصراع، إلا أن وفرة الإمدادات العالمية من الحبوب في عام 2026 خففت من حدة هذا التأثير، إذ استقر مؤشر أسعار الغذاء عند مستويات مشابهة لربيع 2021، وأقل بنسبة 21% من الذروة التي سُجلت أثناء أزمة الحرب في أوكرانيا في مارس 2022.
خلاصة تحليلية: ماذا يُراقب؟
تحليلياً، تكشف أزمة هرمز أن قراءة الأسواق من خلال القيمة النقدية وحدها مضللة في أوقات الأزمات، إذ قد يحافظ ارتفاع الأسعار على القيمة الإجمالية للتجارة ظاهرياً رغم انخفاض كميات المنتجات التي تصل فعلياً إلى الأسواق.
وما يستحق المراقبة في الأسابيع المقبلة: استدامة خطوط الشحن البديلة بعيداً عن المضيق، ومدى قدرة المنتجين في الخليج على استئناف الصادرات، وانعكاس ذلك على موسم الزراعة المقبل وأسعار الغذاء في الدول المستوردة — وهي توصيات تحليلية عامة للمتابعة لا نصائح استثمارية.
المصادر
- نافذة الجزيرة الاقتصادية (نديم الملاح عن دراسة مركز التجارة الدولية) — صدمة مضيق هرمز تمتد إلى أسواق الأسمدة (28 سبتمبر 2026)
- موقع مبتدا — كيف أشعلت اضطرابات الملاحة أسعار الأسمدة ووضعت الغذاء تحت الضغط؟ (28 سبتمبر 2026)
- مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء (عن تقرير الفاو) — تراجع حركة ناقلات النفط عبر هرمز أثر على النظام الغذائي الزراعي العالمي (28 سبتمبر 2026)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق