تثير خطط مصر لتوسيع شبكة السكك الحديدية في شبه جزيرة سيناء وصولاً إلى مدينة طابا على الحدود الإسرائيلية، مخاوف متصاعدة في تل أبيب بشأن التداعيات اللوجستية والديموغرافية والأمنية للمشروع، في ظل تصاعد التوتر المصري–الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة.
وبحسب صحيفة «الشرق الأوسط»، أثارت الشبكة الحديدية المصرية المزمع إنشاؤها في سيناء قلقاً إسرائيلياً معتبراً، إذ اعتبرت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية أن المشروع — الذي يمتد لنحو 500 كيلومتر — يتجاوز في أبعاده كونه مجرد مشروع بنية تحتية مدنية.
مشروع 500 كيلومتر بقيادة كامل الوزير حتى 2030
يقود المشروع وزير النقل والصناعة المصري كامل الوزير، ويستهدف استكمال مراحله بحلول عام 2030، ليربط المراكز اللوجستية المصرية في منطقة قناة السويس بعمق سيناء وصولاً إلى طابا.
ويشمل المشروع إعادة إحياء جسر الفردان التاريخي فوق قناة السويس، وتطوير خط القنطرة–بئر العبد، إلى جانب إنشاء خطوط جديدة تربط ميناء العريش بمناطق في جنوب سيناء، بحسب التقارير الإسرائيلية.
وفي تفاصيل كشفتها تقارير مصرية سابقة، عاد تسيير القطارات إلى محطة بئر العبد لأول مرة منذ 13 عاماً، مع إنشاء خط بئر العبد–العريش بطول 80 كم، ويجري العمل حالياً على خط العريش–النخل–التمد–طابا بطول 275 كم، ضمن إجمالي يقارب 500 كم.
القلق الإسرائيلي: قدرات لوجستية «تتفوق بعشرات المرات»
يرتبط جانب من المخاوف في تل أبيب بالقدرات اللوجستية التي يمكن أن توفرها شبكة السكك الحديدية، نظراً لقدرتها على نقل أعداد كبيرة من الأشخاص والبضائع والمعدات بسرعة وكفاءة أعلى بعشرات المرات من وسائل النقل البرية التقليدية عبر الطرق الصحراوية.
ورأت المنصة الإسرائيلية أن اكتمال الربط السككي بين قناة السويس ووسط وجنوب سيناء قد يمنح مصر قدرة أكبر على تحريك الإمدادات وتعزيز حضورها اللوجستي في شبه الجزيرة خلال فترات زمنية أقصر، وهو ما تعتبره دوائر إسرائيلية عاملاً يستحق المتابعة الأمنية.
ونقلت التقارير عن مصادر إسرائيلية قولها إن «البنية التحتية تبقى بنية تحتية بغض النظر عن التصنيف المدني للمشروع»، في إشارة إلى البعد العسكري المحتمل للقدرة اللوجستية الجديدة.
طابا على مقربة من إيلات: البعد الديموغرافي
وفي الجانب الديموغرافي، تقول «ناتسيف نت» إن القاهرة تسعى إلى تعزيز التنمية المدنية في سيناء عبر إنشاء مدن جديدة وتوسيع الأنشطة الصناعية والتعدينية والزراعية، ودمج المجتمعات والقبائل المحلية بصورة أكبر في الاقتصاد الوطني.
ويمكن لوصول شبكة السكك الحديدية إلى طابا — القريبة من مدينة إيلات الإسرائيلية — أن يُحدث تغيراً في حركة السكان والسياحة والنقل داخل سيناء، ويعزز ارتباط جنوب شبه الجزيرة بشبكة المواصلات المصرية الرئيسية، وهو ما تتابعه تل أبيب بقلق بالغ.
وتربط مصر هذه المشاريع بخططها لتنمية سيناء وإعادة دمجها بصورة أوسع في الاقتصاد الوطني ضمن أهداف رؤية مصر 2030، بعد سنوات من العمليات الأمنية ومواجهة التنظيمات المسلحة في شمال سيناء.
ممر بري ينافس قناة السويس ويجهض «خط إيلات»
واعتبرت المنصة الإسرائيلية أن المشروع قد يعزز إنشاء ممر بري يربط مناطق البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ما يضيف بُعداً اقتصادياً وجيوسياسياً جديداً لشبكة النقل المصرية، بالتزامن مع مشاريع إقليمية منافسة للربط بين موانئ المنطقة.
ويرى مراقبون أن الممر السككي الجديد قد يمثل تحدياً مباشراً للمصالح الإسرائيلية، إذ يوفر ممراً برياً بديلاً وفعالاً يربط المتوسط بالأحمر، ما قد يجهض الأفكار الإسرائيلية التاريخية الطامحة لإنشاء خط سكة حديد يربط موانئ إيلات بأشدود أو حيفا.
السياق: تصاعد التوتر المصري–الإسرائيلي
يأتي الجدل الإسرائيلي حول السكك الحديدية في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية–الإسرائيلية توتراً ملحوظاً؛ فقد كشفت مجلة «ذي أتلانتيك» أن المخابرات المصرية حذّرت إسرائيل من هجوم 7 أكتوبر قبل وقوعه بـ11 يوماً، وهو ما نفاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووصفه بـ«الكذب».
كما طلبت تل أبيب — وفق تقارير إعلامية — من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل للضغط على القاهرة بسبب حشود عسكرية مصرية في سيناء وصفتها إسرائيل بأنها خرق لاتفاقية السلام.
وفي هذا المناخ، تصف الأوساط الإسرائيلية مشروع السكك الحديدية في سيناء بأنه أداة استراتيجية من الدرجة الأولى لترسيخ السيادة المصرية في شبه الجزيرة — وهو الملف الذي ستبقى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقبه عن كثب.
خلاصة: سكك حديدية تنموية بأبعاد استراتيجية
في المحصلة، يبقى مشروع السكك الحديدية في سيناء عند تقاطع التنمية والاستراتيجية: فالقاهرة تراه رافعة لدمج شبه الجزيرة في اقتصادها الوطني ضمن رؤية 2030، بينما تراه تل أبيب قدرة لوجستية متنامية قرب حدودها الجنوبية. وبين الروايتين، تظل شبه جزيرة سيناء — بمواقعها ومواردها وممراتها — ساحة اختبار حقيقية لتوازنات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
المصادر
- صحيفة «الشرق الأوسط» — سكك حديدية مصرية في سيناء تثير قلقاً في إسرائيل (سبتمبر 2026)
- منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية — مشروع السكك الحديدية المصري في سيناء (عبر الدستور وأوبينيا تايمز، سبتمبر 2026)
- موقع «الأسبوع» — مشروع مصري في سيناء يقلق إسرائيل.. فما القصة؟ (عن روسيا اليوم ووزارة النقل المصرية، سبتمبر 2026)
- سكاي نيوز عربية — تحرك عسكري مصري بسيناء يقلق إسرائيل.. ونتنياهو يلجأ لترامب (سبتمبر 2026)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق