RSS تابعنا عبر

الهجرة إلى أوروبا بحراً: الوافدون يتراجعون 39% والوفيات ترتفع

الهجرة بحراً إلى أوروبا عبر البحر المتوسط

كشفت المنظمة الدولية للهجرة عن أرقام جديدة ترسم صورة مزدوجة ومقلقة للهجرة بحراً نحو أوروبا: فبينما انخفض عدد الوافدين بشكل كبير خلال عام 2026، ارتفع في المقابل عدد من لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم عبور البحر، في مفارقة تلخصها المنظمة الأممية بعبارة «قصتين في آن واحد».

وبحسب البيان الصادر عن المنظمة في 17 سبتمبر 2026، والمستند إلى بيانات مصفوفة تتبع النزوح ومشروع المهاجرين المفقودين، وصل نحو 60 ألف مهاجر ولاجئ إلى السواحل الأوروبية بحراً منذ مطلع العام وحتى 15 سبتمبر، مقابل 98,040 شخصاً في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بانخفاض نسبته 39%.

أبرز أرقام التقرير

في المقابل، سُجل ما لا يقل عن 2,292 شخصاً بين قتيل ومفقود على طرق البحر المتوسط والمحيط الأطلسي نحو أوروبا خلال الفترة نفسها، مقابل 1,999 شخصاً في الفترة المقابلة من عام 2025، أي أن الوفيات ارتفعت رغم تراجع أعداد الوافدين إلى أقل من النصف تقريباً.

وسجل طريق وسط المتوسط نحو إيطاليا الانخفاض الأكبر في الوافدين، إذ وصل 21,393 شخصاً حتى 15 سبتمبر مقابل 48,231 في الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض 55%. لكن الوفيات على هذا الطريق ارتفعت من 844 إلى 996 شخصاً. أما طريق شرق المتوسط نحو اليونان، فسجلت الوفيات فيه ارتفاعاً بنسبة 47%، من 284 إلى 417، بينما تراجعت أعداد الوافدين إلى اليونان من 25,427 إلى 20,428، أي بنحو 20%. وفيما يخص الطرق المؤدية إلى إسبانيا، لقي 879 شخصاً حتفهم أو فُقدوا، مع تراجع أعداد الوافدين والوفيات معاً.

وكشفت البيانات عن تطور لافت يتمثل في النمو السريع لطريق بحري جديد من شرق ليبيا نحو جزيرتي كريت وغافدوس اليونانيتين، إذ وصل عبره نحو 14 ألف شخص منذ مطلع العام، وهو طريق أطول وأخطر بكثير من العبور القصير بين تركيا والجزر اليونانية في بحر إيجه.

لماذا انخفضت الأعداد؟

تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أرقام الوافدين لا تعكس وحدها حقيقة ما يجري على طرق الهجرة، إذ لا تشمل من حاولوا العبور ولم يصلوا. فبين يناير ومنتصف سبتمبر، اعترض خفر السواحل الليبي 17,067 مهاجراً في البحر وأعادهم إلى ليبيا، وهؤلاء لا يُحتسبون ضمن الوافدين إلى أوروبا.

كما لعبت الاتفاقيات التي أبرمتها إيطاليا مع دول شمال أفريقيا، ولا سيما تونس وليبيا، دوراً في الحد من المغادرات، إلى جانب تشديد إجراءات المراقبة البحرية. وعلى صعيد الجنسيات، شهدت التركيبة تغيراً جذرياً: فبينما أصبح البنغاليون أكبر مجموعة تصل إلى أوروبا خلال 2025، انهارت أعداد السوريين من أكثر من 43,600 في 2024 إلى أقل من 5,300 في 2025، وذلك عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 وتعليق دول أوروبية معالجة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين، بحسب توقعات المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة لعام 2026. في المقابل، تضاعف عدد السودانيين الوافدين عبر المتوسط أكثر من ثلاث مرات منذ 2024، وارتفعت أعداد البنغاليين والمصريين بأكثر من 40%، بينما تراجعت أعداد الأفغان بنحو 26%.

وأظهرت استطلاعات أجرتها المنظمة بين المهاجرين على طريق وسط المتوسط أن معظمهم غادروا بلدانهم بسبب الصعوبات الاقتصادية في المقام الأول، ثم النزاعات والعنف المستهدف.

ارتفاع الوفيات

تقول المنظمة إن المهاجرين باتوا يسلكون رحلات أطول وأخطر، وهو ما يفسر ارتفاع الوفيات رغم قلة الوافدين. فالعبور من شرق ليبيا إلى كريت يمتد لمئات الكيلومترات في عرض البحر، في قوارب مكتظة وغير مجهزة غالباً، حيث يمكن لعطل في المحرك أو سوء الأحوال الجوية أن يحول الرحلة إلى كارثة في دقائق.

وحذرت المنظمة من أن الأرقام المعلنة أقل بكثير من الواقع، إذ إن كثيراً من حوادث الغرق لا يشهدها أحد والقوارب قد تختفي دون أن يُبلغ عنها. ففي عام 2025 وحده، جرفت الأمواج 270 جثة بشرية إلى سواحل المتوسط دون ربطها بحوادث غرق معروفة، فيما أُبلغ عن 1,500 شخص مفقود في البحر لم يتسن التحقق من مصيرهم بسبب القيود المتزايدة على معلومات البحث والإنقاذ.

وكانت المنظمة قد وثقت في تقريرها السنوي الصادر في فبراير 2026 وفاة أو فقدان 7,667 مهاجر على طرق الهجرة حول العالم خلال 2025، أي بمعدل 21 شخصاً يومياً، من بينهم 2,185 في البحر المتوسط و1,214 على طريق غرب أفريقيا والمحيط الأطلسي نحو جزر الكناري.

ردود الفعل

قالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب إن «هذه الأرقام تروي قصتين في آن واحد»، مضيفة أن «ما زال الناس يموتون ويُفقدون بمعدل مثير للقلق أثناء محاولتهم الوصول إلى بر الأمان»، ومشددة على أن «كل وفاة وكل اختفاء في البحر تقريباً يمكن تفاديه».

ودعت المنظمة إلى تعزيز التعاون الدولي لإنقاذ الأرواح، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتوسيع المسارات الآمنة والنظامية للهجرة، مذكرة بأن «وراء كل رقم إنسان وأسرة ومجتمع». كما طالبت بتمويل عاجل لتعزيز جمع البيانات حول المهاجرين المفقودين، محذرة من أن تخفيضات المساعدات الإنسانية تجعل أعداداً متزايدة من المفقودين «غير مرئية» في الإحصاءات.

ماذا بعد؟

مع اقتراب فصل الشتاء الذي تزداد فيه مخاطر العبور البحري، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت أوروبا ستكتفي بسياسات الردع وخفض الأرقام، أم ستستجيب لدعوات المنظمة الدولية للهجرة بفتح مسارات آمنة. فالانخفاض في أعداد الوافدين، كما تظهر البيانات، لا يعني اختفاء الأسباب التي تدفع الناس للمغادرة من حروب وفقر واضطهاد، ولا يعني أن الحدود أصبحت أكثر أماناً.

وخلاصة التقرير أن تقييم سياسات الهجرة الأوروبية بعدد الوافدين وحده مضلل: فحين يصل عدد أقل من الناس بينما يموت أو يُفقد عدد أكبر في الطريق، لا يمكن اعتبار ذلك نجاحاً بأي مقياس إنساني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
  • ()
  • ()
عرض المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الأكثر مشاهده

𝕏 ف و ت