أعلن «مجلس السلام» الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة للتعافي المبكر في قطاع غزة بقيمة 2.45 مليار دولار تُنفَّذ على مدى ستة أشهر، في أول خطة عمل مفصلة يطرحها المجلس منذ تأسيسه للإشراف على المرحلة الانتقالية في القطاع.
وجاء الإعلان عقب اجتماع لأعضاء المجلس عُقد يوم الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، شارك فيه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إلى جانب جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي، وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وعدد من الوزراء والمسؤولين السياسيين والعسكريين، وفق ما أوردته وسائل إعلام عربية ودولية.
ماذا تتضمن الخطة؟
تشمل الخطة 66 مشروعاً في مجالات الإسكان المؤقت وإزالة الأنقاض وتأهيل البنية التحتية وإصلاح المستشفيات ودعم التعافي الاقتصادي، إضافة إلى نشر قوة أمنية متعددة الجنسيات في القطاع.
كما تتضمن الخطة نزع السلاح في غزة وانسحاب إسرائيل من القطاع، وهما البندان الأكثر حساسية سياسياً، إذ يرتبطان بمسار مفاوضات معقدة مع الجانب الإسرائيلي لم تُحسم بعد.
حجم الدمار واحتياجات الإعمار
قدّر المجلس حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع بنحو 35.2 مليار دولار، بينما تبلغ احتياجات إعادة الإعمار الشاملة نحو 71.4 مليار دولار على مدى العقد المقبل.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى تضرر أو تدمير 84% من مباني غزة حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد حرب اندلعت في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023، ما يجعل خطة الأشهر الستة خطوة أولى ضمن مسار إعمار طويل الأمد.
من هو «مجلس السلام»؟
تأسس المجلس في إطار خطة الرئيس ترامب المكوّنة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة، والتي أُعلنت في 29 سبتمبر/أيلول 2025، ووُقّعت وثيقتها الأساسية في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بمدينة شرم الشيخ المصرية خلال «قمة شرم الشيخ للسلام»، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ويترأس ترامب المجلس الذي يضم شخصيات دولية بارزة بينها توني بلير، ويتولى الممثل الأعلى لقطاع غزة في المجلس نيكولاي ملادينوف متابعة ملف التنفيذ. وتقوم فلسفة الخطة على إدارة انتقالية مؤقتة يتولى فيها مسؤولون فلسطينيون تكنوقراطيون تقديم الخدمات اليومية للسكان بمساندة خبراء دوليين.
ودعا ملادينوف إلى دعم الخطة، مشيراً إلى إحراز تقدم بطيء وثابت رغم حساسية المفاوضات مع إسرائيل، بحسب ما نقلته وكالات الأنباء.
لماذا يُعلن عن الخطة الآن؟
يتزامن الإعلان مع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث تتصدر أزمات الشرق الأوسط جدول الأعمال، من الحرب في غزة إلى التصعيد بين السعودية والحوثيين والتوتر بين واشنطن وطهران.
ويُقرأ توقيت الإعلان، تحليلياً، على أنه محاولة من الإدارة الأميركية لتقديم ملف ملموس أمام قادة العالم المجتمعين في نيويورك، في وقت يواجه فيه مسار السلام انتقادات بشأن بطء التقدم على الأرض.
العقبات أمام التنفيذ
رغم الإعلان عن الخطة، أقرّ المجلس نفسه بأن التنفيذ لا يمكن أن يبدأ إلا «عندما تسمح بذلك ظروف التمويل وإمكانية الوصول»، في إشارة إلى تحدّيين رئيسيين: تأمين مبلغ 2.45 مليار دولار، وضمان الوصول الإنساني واللوجستي إلى القطاع.
وتزامن الإعلان مع كلمة مسجلة للرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس 24 سبتمبر/أيلول، دعا فيها المجتمع الدولي إلى مساءلة إسرائيل وضمان قابلية حل الدولتين للحياة، مندداً بمنع الإدارة الأميركية الوفد الفلسطيني من الحصول على تأشيرات الدخول للمشاركة حضورياً في الاجتماعات للعام الثاني على التوالي.
أسئلة ما زالت بلا إجابات
رغم تفصيل بنود الخطة، تبقى أسئلة جوهرية معلقة: من سيموّل مبلغ 2.45 مليار دولار؟ وما الجدول الزمني الدقيق للانسحاب الإسرائيلي؟ وما آلية نزع السلاح ومن سيشرف عليها؟ وكيف ستعمل القوة الأمنية متعددة الجنسيات على الأرض؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الخطة ستمضي قدماً أم ستتعثر عند أول اختبار ميداني، خصوصاً أن تجارب خطط الإعمار السابقة في غزة اصطدمت مراراً بعقبة التمويل والقيود على الوصول.
ماذا بعد؟
تمثل خطة الأشهر الستة اختباراً حقيقياً لقدرة «مجلس السلام» على الانتقال من الإعلانات السياسية إلى التنفيذ على الأرض. فبين الأرقام المعلنة — 2.45 مليار دولار و66 مشروعاً — وبين واقع قطاع مدمّر يحتاج إلى 71.4 مليار دولار لإعادة إعماره، تتسع الفجوة التي ستحدد مصير الخطة: التمويل، والوصول، والتوافق السياسي حول القضايا الأكثر حساسية.
الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت الخطة ستتحول إلى مشاريع ملموسة، أم ستبقى حبيسة الاجتماعات رفيعة المستوى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق